دخل الصراع في اليمن فصلاً جديداً مع إعلان الحوثيين أنهم يفرضون حصاراً بحرياً على جميع السفن المتجهة إلى المملكة العربية السعودية.
هاجمت الجماعة اليمنية المتمردة، المعروفة أيضًا باسم أنصار الله (أو أنصار الله)، عددًا من الناقلات السعودية في البحر الأحمر.
القصص الموصى بها
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة
وقد وضع هذا التطور مضيق باب المندب، الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي الأوسع، في قلب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ويزيد من الضغط على طرق التجارة العالمية.
وهدد الحوثيون المدعومون من إيران، والذين استولوا على العاصمة اليمنية صنعاء في عام 2014، بإغلاق المضيق، وهو الطريق الذي تمر عبره معظم إمدادات الطاقة الأوروبية. وهو أيضًا ممر رئيسي للواردات إلى المملكة العربية السعودية.
لا يمكن فصل قرار الحوثيين بإعلان حصار بحري عن الاضطرابات الناجمة عن الحرب المستمرة بين واشنطن وطهران، والتي اندلعت في 28 فبراير عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران.
الحوثيون يزيدون من مخاطر الدعم السعودي
وأعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، يوم الاثنين، مسؤوليتها عن غارة جوية على مطار صنعاء، قائلة إنها كانت إجراء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في العاصمة اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون. لكن الحوثيين ألقوا باللوم على السعودية في ذلك.
ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ على المملكة العربية السعودية – الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية التي تتخذ من عدن مقراً لها – ثم زادوا المخاطر لاحقاً بإعلانهم عن حصار بحري على المملكة.
وتمثل هذه التطورات تصعيدًا كبيرًا في الحرب الأهلية في اليمن. وتواجه السعودية، التي سعت في السنوات الأخيرة لتجنب حرب جديدة على حدودها الجنوبية، معادلة أكثر تعقيدا مع تحول التهديد من البر إلى البحر، واستهداف أحد أهم الطرق البديلة لصادراتها النفطية.
كل ذلك يطرح السؤال: هل سيؤدي هذا التصعيد إلى مواجهة جديدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يبدو ميزان القوى بين الحوثيين والحكومة بعد أكثر من عقد من الحرب؟ فهل تغير التوازن بما يكفي لزيادة احتمالات التوصل إلى حل عسكري للصراع؟
وجرى الحديث عن تصعيد محتمل في السنوات الأخيرة، لكن ذلك يبدو الآن أكثر ترجيحا، خاصة أنه يتقاطع مع الأحداث المحلية والإقليمية والدولية وعودة الحرب الأميركية الإيرانية.
لقد أعادت الحكومة اليمنية هيكلة جيشها بمركز واحد لصنع القرار، وتشير الرسائل الإقليمية إلى أن الخيار العسكري لم يتم تأجيله، كما كان يُعتقد في السابق.
فهل ستعود استعادة صنعاء إلى الطاولة كهدف عسكري يجب التفكير فيه بجدية، وماذا يعني ذلك عمليا؟ وما مدى استعداد الأطراف، وخاصة الحكومة اليمنية، للمعركة؟
هيكل القوات التابعة للحكومة
ويضم المعسكر المناهض للحوثيين اليوم الجيش الوطني باعتباره الإطار الرسمي لوزارة الدفاع، إضافة إلى تشكيلات جديدة ذات قيادات مستقلة، مثل ألوية العمالقة، وقوات حراسة الجمهورية في المخا أو المخا غربا.
وقد ظهرت هذه المجموعات المختلفة – جميعها في الجانب المناهض للحوثيين في الصراع – على مر السنين بسبب ضعف قوة الحكومة المركزية، ونمو الشخصيات المستقلة، ودعم الدول الإقليمية.
ويقدر عدد عناصر الجيش الوطني المتواجدين في الميدان بنحو 400 ألف عنصر، بحسب التصريحات الأخيرة لوزارة الدفاع. ويشمل هيكلها التنظيمي المناطق العسكرية السبع في اليمن، لكن انتشار القوات يتركز في مأرب وتعز والمحافظات الجنوبية والشرقية للبلاد، نتيجة سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من شمال غرب البلاد، بما في ذلك صنعاء.
وتدعم الجيش أيضًا قوات الطوارئ، التي تضم ما بين 30 ألفًا إلى 40 ألف فرد، وقوات درع الوطن، التي تم إنشاؤها عام 2022 وتضم ما بين 30 ألفًا و40 ألف مجند، وكلفت بالسيطرة على المعسكرات في حضرموت والمحافظات الجنوبية في ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد هزيمة القوات الانفصالية التي كانت تسيطر سابقًا على تلك المناطق.
أدى القتال أواخر العام الماضي بين الحكومة اليمنية والقوات التابعة لها من جهة، والانفصاليين المدعومين من الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، إلى تغييرات في جنوب وغرب اليمن.
وبعد هزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي الذي يبلغ قوامه 75 ألف عنصر، وبعد التدخل السعودي إلى جانب الحكومة وانسحاب الإمارات من اليمن، تأثر التماسك التنظيمي للجماعة. ولكن لم يتم نزع سلاحهم، وما زالوا موجودين في العديد من المواقع في الجنوب، مع استيعاب بعض عناصرهم ــ ولو اسمياً ــ في الهياكل الحكومية.
ويقدر عدد القوات الأخرى المدعومة سابقاً من قبل الإمارات، وهي قوات حراس الجمهورية بقيادة طارق صالح، بحوالي 20 ألف مقاتل. ويتمركزون بشكل أساسي على ساحل البحر الأحمر، ويعتبرون من التشكيلات الأكثر تسليحا، بسبب الدعم الإماراتي السابق.
وتعد ألوية العمالقة من أبرز التشكيلات القتالية في المعسكر المناهض للحوثيين، حيث يقدر عدد مقاتليها بـ 20 ألف مقاتل، وتتواجد على ساحل البحر الأحمر، وفي عدن، وفي بعض المناطق الجنوبية.
وبالتالي، يقدر إجمالي حجم القوات التابعة للحكومة والمعسكر المناهض للحوثيين بأكثر من 500 ألف عنصر، وإن كان هناك تباين واضح في مستويات التدريب والانضباط والتكامل المؤسسي.
جودة التسليح والمعدات العسكرية
ولا تختلف أنواع الأسلحة التي تمتلكها هذه القوات بقدر اختلاف مستوى تشغيلها وإدارتها. ويعتمد الجيش الوطني على الأسلحة التقليدية الموروثة من الجيش اليمني قبل الحرببما في ذلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والمدرعات والدبابات والمدفعية الميدانية، إلى جانب قدرات الاتصال والنقل المختلفة.
وتعتبر قوات درع الوطن، المدعومة من المملكة العربية السعودية، من بين التشكيلات الحديثة الأكثر تجهيزًا نسبيًا. وهي تعتمد على المركبات التكتيكية، والمركبات المدرعة الخفيفة، وأنظمة الاتصالات المتطورة المناسبة لمهام الانتشار السريع وحماية المؤسسات.
وتعتمد قوات الطوارئ على أسلحة خفيفة إلى متوسطة تركز على العمليات الحضرية ومهام الانتشار السريع، وهي أقرب إلى قوة عسكرية ميدانية ذات مهام تدخل سريع، وتجمع بين الطابع الأمني والقدرة القتالية.
وتعتمد ألوية العمالقة على الأسلحة المتوسطة والثقيلة والمدرعات ووحدات الدعم الناري، وتتميز بقدرتها على القيام بعمليات برية هجومية مقارنة بالقوات الأخرى.
أما التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، فتعتمد على أسلحة متنوعة، رغم تباين جاهزيتها نتيجة التغيرات التنظيمية التي طرأت عليها.
وفي السنوات الأخيرة، قامت غالبية القوات الحكومية أيضًا بتطوير قدرات الطائرات بدون طيار، سواء ضمن الوحدات النظامية أو بعض التشكيلات غير النظامية. وتستخدم هذه الأصول الآن في مهام الاستطلاع والمراقبة، وأحياناً في الدعم التكتيكي المحدود.
توازن القوى مع الحوثيين
وتشير السجلات العسكرية الرسمية في صنعاء إلى أن وحدات الجيش التابعة للحوثيين تضم أكثر من 200 ألف مقاتل، ويمكنها أيضًا حشد عشرات الآلاف من الأعضاء من اللجان الشعبية التطوعية للتدخل والدعم السريع.
ومع ذلك، فإن هذه الأرقام، مثلها مثل القوائم العسكرية في المعسكر الحكومي، قد لا تعكس بدقة القوة القتالية الفعلية على الأرض بسبب إدراج أسماء احتياطية أو غير نشطة في السجلات.
على الرغم من أن القوات التابعة للحكومة قد تمتلك المزيد من القوى البشرية، إلا أن ميزان القوى في اليمن لا يتم تحديده فقط بالأرقام.
على الرغم من تعرض قوات الحوثي لأضرار كبيرة لقواتها وأصولها من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مدى السنوات القليلة الماضية، إلا أن الحوثيين يستفيدون من هيكل قيادة أكثر مركزية ويمتلكون خبرة في إدارة الحرب غير المتكافئة.
هذا بالإضافة إلى امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وقدرات تهديد بحري أثبتت تأثيرها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويبدو أن التوازن العسكري في اليمن هو توازن تنظيمي وإدارة حربية أكثر منه توازن أسلحة وأعداد.
جاهزية القوات الحكومية للمعركة الكبرى
وتشير المؤشرات إلى أن القوات الحكومية قادرة على الانخراط في معارك دفاعية، أو السيطرة على الأراضي، أو إدارة انتشار أمني واسع النطاق. ومع ذلك، فإنهم يواجهون تحديات كبيرة إذا فكروا في شن هجوم واسع النطاق.
وكان أبرز هذه التحديات تعدد مراكز صنع القرار العسكري – قبل أن تتولى السعودية السيطرة على هذا القرار بعد انسحاب الإمارات – وتفاوت مستويات التدريب والانضباط، إضافة إلى صعوبة التنسيق العملياتي.
وتشكل الجغرافيا عاملاً أيضاً، حيث أن سيطرة الحوثيين على المناطق الجبلية الشمالية الغربية تمنحهم ميزة دفاعية، في حين أن القوات الحكومية منتشرة عبر جبهات متعددة، مما يحد من قدرتها على التعبئة عند نقطة حاسمة.
سيناريو دخول صنعاء
حتى الآن لا توجد مؤشرات عامة واضحة على أن أي قوة دولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، قد تبنت خطة معلنة لدعم عملية عسكرية واسعة النطاق للسيطرة على صنعاء.
ورغم أن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر رفعت مستوى الاهتمام الدولي بالملف اليمني، إلا أن الاستراتيجية الدولية ركزت على إضعاف قدرات الحوثيين المتعلقة بالبحر والتهريب، بدلا من التركيز على الهجوم البري. لكن تقارير ظهرت من مصادر داخل الدولة اليمنية تتحدث عن احتمال شن حرب ضد الحوثيين بدعم أمريكي.
وإذا تم النظر في عملية باتجاه صنعاء، فإن نجاحها سيتطلب شروطاً معقدة، أبرزها توحيد القيادة العسكرية للحكومة، وتوفير غطاء سياسي محلي وإقليمي واسع، وضمان القدرة على إدارة المدينة بعد السيطرة عليها. ربما تم بالفعل استيفاء بعض هذه الشروط.
هل وفرت السعودية الغطاء لمواجهة الحوثيين؟
وترتبط عملية صنع القرار العسكري للحكومة اليمنية إلى حد كبير بالدعم السياسي والعسكري السعودي، وأي تحرك واسع ضد الحوثيين يظل مشروطًا بالرياض. لكن الرياض فضلت التركيز على حماية الحدود الجنوبية للمملكة وتأمين الممرات الملاحية ومنع توسع التهديد الحوثي في عمق الأراضي السعودية.
ويبدو أن الاستراتيجية السعودية مالت في السابق نحو إدارة الصراع بدلاً من حله، من خلال الجمع بين الضغط العسكري المحدود والتحركات الدبلوماسية ومسارات خفض التصعيد لتقليل التكاليف الأمنية والاقتصادية للحرب.
وربما تغير الموقف السعودي مؤخرا في ظل الأحداث الدولية والإقليمية، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر. وقد تضطر الرياض إلى إعادة تقييم خياراتها في الملف اليمني، وربما يكون الخيار المطروح على الطاولة عسكرياً.
